ما يُحفَظ ولا يُقاس: السماع والقياس في كتاب سيبويه

فريق سيبويه

فريق سيبويه

10/7/2026

#سيبويه#الكتاب#السماع#القياس#الشاذ#ابن جني
ما يُحفَظ ولا يُقاس: السماع والقياس في كتاب سيبويه

المشكلة ليست في كثرة الشواهد، بل في حقّ القياس عليها

يكثر في كلام دارسي النحو أن سيبويه «استقرأ كلام العرب». هذه عبارة صحيحة في الجملة، لكنها تخفي السؤال الذي يفتح أبواب الكتاب بعضها على بعض: إذا سمعت العرب تقول تركيبًا قليلاً، أو جوّزت في بيتٍ ما لا يجوز في الكلام، فهل يملك النحوي أن يولّد عليه أمثلة جديدة؟

السماع، في الاستعمال اللاحق لأصول النحو، هو الأخذ عن العرب الموثوق بهم. والقياس حمل غير المنقول على المنقول لجامعٍ يُدَّعى بينهما. سيبويه لا يضع هذين الحدّين في فصلٍ بعنوان «أصول النحو»؛ لكنه يمارس التمييز عمليًا: يروي، ويستحسن، ويستقبح، ويمنع أن يُجعَل بعض المسموع أصلًا يُتوسَّع عليه.

هذا المقال يلازم نصّ الكتاب في موضعين، ثم يعرض قراءة ابن جِنّي التي وسّعت القياس حتى جعلت المقدَّر على كلام العرب من كلام العرب. والغاية أن يُرى الخلاف منهجيًا، لا خطابيًا.

لماذا يغيّر هذا التمييز فهمك للإعراب؟

الطالب الذي يحفظ قاعدة ثم يصطدم ببيتٍ شاذّ يحسب النحو متناقضًا. أما من يقرأ سيبويه فيرى أن التناقض كثيرًا ما يكون خلطًا بين مستويين:

  • مستوى الحكاية: هذا قيل، فيُحفَظ كما سُمع.
  • مستوى التقعيد: هذا يُتَّخذ مثالًا يُبنى عليه.

إذا اختلط المستويان صار الشاذّ قانونًا، أو صار القانون أضيق من كلام العرب. الخلاف بعد سيبويه دار على الحدّ الفاصل بينهما.

موضع أول: ما يحتمله الشعر لا يُنزَّل منزلة الكلام

في «هذا باب ما يحتمل الشعر» يقول سيبويه:

«اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام من صرف ما لا ينصرف، يشبهونه بما قد حُذف واستعمل محذوفا.»

ثم يورد شاهد العجاج:

«قَواطِناً مكةَ من وُرْقِ الحَمِى»

الموضع: الكتاب 1/26، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، ط3، 1408هـ/1988م.

العبارة صريحة في أمرين:

  1. الشعر يجوز فيه ما لا يجوز في الكلام.
  2. العلة المذكورة هنا ليست إطلاق الإباحة، بل التشبيه بمحذوف استُعمل محذوفًا؛ فالصرف هنا رخصة مفسَّرة، لا أصل يُقاس عليه في النثر.

معنى ذلك منهجيًا: الشاهد الشعري عند سيبويه قد يُثبِت أن العرب نطقت الوجه، ولا يلزم عنه أن الوجه مطّرد في خطاب الناس. من أسقط هذا القيد جعل ضرورات الشعر أدلةً على قواعد الكلام.

مثال توضيحي مصنوع —لا شاهد—: لو سمعت في بيتٍ صرفَ «أحمدَ» مصروفًا لوزن، لم يجز لك أن تقول في نثر مدرسي: «مررت بأحمدٍ» قياسًا على ذلك البيت. سيبويه يفتح باب الاحتمال الشعري ليضبطه، لا ليوسّعه.

موضع ثانٍ: ما يُحفَظ حفظًا ولا يُقاس

في أبواب التعجب من الجزء الرابع يعقد سيبويه بابًا عنوانه في فهرس هذه الطبعة:

«باب ما تقول العرب فيه ما أفعله وليس له فعل وإنما يحفظ هذا حفظًا ولا يقاس».

العنوان نفسه —وهو من صياغة الكتاب لا من تعليق حديث— يضع حدًا: وجود صيغة مسموعة من «ما أفعله» لا يبيح أن تشتقّ لكل اسم فعلًا تتعجب منه على ذلك المثال. المسموع يُروى؛ والقياس عليه يُمنَع.

هذا المنع أهم من أي تعريف مدرسي للقياس، لأنه يكشف أن سيبويه لا يعامل كل سماع معاملة الأصل. بعض السماع عنده مادة أرشيفية، وبعضه قاعدة مولِّدة.

ويوافق هذا روحًا ما يقرّره ابن جِنّي لاحقًا في باب الاطراد والشذوذ من أن الشاذّ يُحفَظ في بابه. غير أن ابن جِنّي، في موضع آخر، يذهب بالقياس مذهبًا أوسع مما يوحي به منع سيبويه.

قراءة ابن جِنّي: القياس يُنشئ كلامًا عربيًا

في «باب في أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب» ينقل ابن جِنّي عن أبي عثمان المازني:

«ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب؛ ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول وإنما سمعت البعض فقست عليه غيره. فإذا سمعت "قام زيد" أجزت ظرف بشر، وكرم خالد.»

الموضع: الخصائص 1/358، تحقيق محمد علي النجّار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4.

هذا نصّ صريح في توليد أمثلة لم تُسمَع، ما دامت جارية على سمت المسموع. وهو لا يناقض سيبويه في أصل الفكرة: الكتاب نفسه يمثّل بـ«عبد الله أخوك» و«يذهب عبد الله» ليفهم الباب، لا لأن كل مثال بعينه مسموع عن أعرابيّ بعينه.

لكن موضع التوتّر يظهر حين يتعارض قياس حسن مع سماع ضيّق. ابن جِنّي يعقد «بابًا في تعارض السماع والقياس»، ويفتح به أفقًا لم يكتبه سيبويه بهذا العنوان: أيُقدَّم المسموع القليل على القياس الواسع، أم يُحكى المسموع ويُقاس على غيره؟

لا ننسب إلى سيبويه جواب ابن جِنّي. ما ننسبه إليه هو الممارسة: الرخصة الشعرية لا تُنزَّل منزلة الكلام، وبعض الأبنية «تُحفَظ ولا تُقاس». أما إطلاق أن «كل قياس على العرب عربي» فطبقة أصولية نضجت في القرن الرابع.

موضع ثالث من كتب الخلاف: ليس كل خلاف سيبويهيًا

يحسن هنا تمييزٌ كثيرا ما يُهمَل. حين يقول المتأخرون: «مذهب سيبويه والأخفش أنه إذا سُمع مصدر على غير القياس امتنع النطق بالقياس»، فإنهم ينقلون تخريجًا لاحقًا في كتب الشروح والحواشي. يجوز الاستئناس به بوصفه قراءة لمذهبه، ولا يجوز إدراجه بين أقوال الكتاب ما لم يُعرَّف موضعه في نص سيبويه.

لذلك يكتفي هذا المقال بما في الكتاب نصًا، وبما في الخصائص نصًا، ويجعل أقوال الشراح طبقةً ثالثة.

مثال تطبيقي يوضح الحدّ

خذ قوله تعالى —والآية شاهد قرآني لا مثال مصنوع— في سياق الحذف والاستغناء، مما يستعمله سيبويه لتقوية علم المخاطب لا لتوليد قاعدة جديدة:

في باب الفاعلين والمفعولين يستدلّ بقوله عزّ وجل: «والحافِظين فُروجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرين اللهَ كثيرًا والذّاكِراتِ»، ثم يقول إن الآخر لم يُعمَل فيما عَمِل فيه الأول استغناءً عنه.

الموضع: الكتاب 1/74.

وجه الاستدلال هنا سماعيّ وتركيبي معًا: القرآن استغنى بذكر معمول الأول عن إعادة معموله مع الثاني. سيبويه لا يقول: «قِس على كل عاطفين هذا الحذف وجوبًا». يقول: هذا يقوّي أن المخاطب قد عَلِم. فالقياس هنا قياس فهم، لا رخصة يُوسَّع بها الحذف كيف شاء المتكلم.

أما المثال المصنوع التالي فللتوضيح فقط: إذا سمعت قومًا يقولون «ما أبلَدَه» ولم تسمع «بَلُدَ» على المعنى المراد، فمذهب باب التعجب في الكتاب أن تحفظ الصيغة ولا تشتقّ لها فعلًا تُجري عليه باب «ما أفعله» كيفما اتفق.

ماذا يثبت، وما يبقى موضع نظر؟

يثبت:

  • سيبويه يفرّق بين جائز الشعر وجائز الكلام، ويجعل صرف الممنوع في الشعر من باب الاحتمال لا من أصل النثر.
  • الكتاب يصرّح في باب من أبواب التعجب بأن بعض المسموع يُحفَظ ولا يُقاس.
  • ابن جِنّي، ناقلًا المازني، يجعل القياس على كلام العرب مولِّدًا لكلام عربي جديد.
  • إسقاط اصطلاحَي «السماع» و«القياس» بمفهومَي أصول النحو المتأخرة على سيبويه إسقاطٌ يحتاج دليلًا من نصّه، لا من شهرة المصطلحين.

يبقى موضع نظر:

  • مقدار اطّراد القياس الصرفي في الكتاب خارج أبواب الضرورة والتعجب؛ فسيبويه يقيس كثيرًا في الأبنية، ويضيق في أبواب أخرى. التعميم بلا استقراء للأجزاء الأربعة تجاوز.
  • هل كان سيبويه سيوافق صيغة المازني كما رواها ابن جِنّي؟ النص لا يجيب؛ التشابه في التمثيل لا يكفي للجزم.

الخلاف مستمر لأن المطلوب ليس إحصاء الشواهد، بل تعيين سلطة الشاهد: أهو سقف الكلام أم بذرته؟

خاتمة

قراءة الكتاب في السماع والقياس قراءة في أدب النحوي مع الشاهد. سيبويه يسمع كثيرًا، ويمنع كثيرًا، ويرخّص للشعر ما لا يرخّصه للكلام. وابن جِنّي من بعده يجعل القياس حياةً للغة لا حكايةً لها. بين الحفظ والتوليد يبقى طالب العربية محتاجًا أن يسأل عند كل شاهد: أهذا يُروى، أم هذا يُبنى عليه؟ والجواب لا يُستعار من شعار، بل يُطلب في بابه.

المصادر والمراجع

  1. سيبويه. الكتاب. تحقيق عبد السلام محمد هارون. مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1408هـ/1988م. ج1 ص26، 74؛ و«باب ما تقول العرب فيه ما أفعله… وإنما يحفظ هذا حفظًا ولا يقاس» في الجزء الرابع. الشاملة 23018/24، 23018/72.
  2. ابن جِنّي. الخصائص. تحقيق محمد علي النجّار. الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، ج1 ص358 (باب أن ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب)، و«باب في تعارض السماع والقياس». الشاملة 9986.
  3. السيرافي. شرح كتاب سيبويه. تحقيق أحمد حسن مهدلي وعلي سيد علي. دار الكتب العلمية، بيروت، 2008م. الشاملة 17726.
  4. نسخة هارون المصوّرة: أرشيف الإنترنت.
  5. للمراجعة الجامعية الموثّقة في تاريخ المصطلح، لا بوصفها أصلًا للنص: رسائل في المستودعات الجامعية الجزائرية حول السماع عند سيبويه، مثل مستودع جامعة تلمسان. تُستعمل بحذر لأنها دراسات معاصرة، لا طبعات للكتاب.

كلمات مفتاحية: سيبويه، الكتاب، السماع، القياس، الشاذ، ضرورة الشعر، ابن جني.