أيُّ الفعلين أولى بالعمل؟ باب التنازع في كتاب سيبويه

فريق سيبويه

فريق سيبويه

10/10/2026

#سيبويه#الكتاب#التنازع#الإعمال#الكسائي#الإنصاف
أيُّ الفعلين أولى بالعمل؟ باب التنازع في كتاب سيبويه

تركيب واحد، وعاملان يطلبانه

إذا تقدّم فعلان وتأخّر اسم يصلح أن يكون معمولاً لكلّ منهما، وقع ما سمّاه المتأخرون التنازع في العمل. سيبويه لا يستعمل هذه التسمية عنوانًا لبابه. عنوانه في الكتاب:

«هذا باب الفاعلين والمفعولين اللذين كلُّ واحد منهما يفعل بفاعله مثل الذي يفعل به».

المسألة ليست لغزًا لفظيًا. هي سؤال عن أيّ العملين يظهر في الإعراب إذا لم يمكن أن يجتمع على الاسم الواحد رفعٌ ونصب معًا. ومن هنا صارت الباب ميدانًا لخلاف طويل: أيُحمَل الاسم على الفعل الذي يليه، أم على الفعل الذي سبق؟

لماذا يستحق هذا الباب مقالًا مستقلًا؟

خلاف العامل نظرية في التفسير؛ وخلاف السماع منهج في الاستدلال. أما هذا الباب فـتركيب معيّن يمكن إعرابه على وجهين مسموعين. فيه يتبيّن كيف يختار سيبويه أحد الوجهين بعلّة القرب، وكيف حوّل الأنباري الاختيار إلى «مسألة» بين جماعتين وسميتا لاحقًا بصرية وكوفية.

ثلاثة تحفظات تسبق التفصيل:

  • سيبويه يقرّر أولوية إعمال ما يلي الاسم، ولا يقول إن الوجه الآخر ممتنع في كل حال.
  • نسبة «مذهب البصريين» و«مذهب الكوفيين» صياغة أبي البركات الأنباري في القرن السادس، لا لغة الكتاب.
  • ابن مضاء سيعيد استخدام هذا الباب لهدم العامل أصلًا؛ وتلك قراءة ثالثة لا تُخلَط بقراءة سيبويه.

نصّ سيبويه: احمل الاسم على ما يليه

يقول سيبويه:

«وهو قولك: ضربتُ وضَربَنَى زيدٌ، وضربَنى وضربتُ زيداً، تَحمل الاسمَ على الفعل الذى يَليه. فالعاملُ في اللفظ أحدُ الفعلينِ، وأمّا في المعنى فقد يُعْلم أنَّ الأوّل قد وقع إلاّ أنّه لا يُعْمَلُ في اسمٍ واحدٍ نصبٌ ورفعٌ.»

«وإنّما كان الذى يليه أوْلَى لقُربِ جِواره وأنه لا ينقُضُ معنىً، وأنّ المخاطَبَ قد عَرَفَ أنَّ الأوّلَ قد وقع بزَيْدٍ.»

الموضع: الكتاب 1/73–74، تحقيق هارون، الخانجي، ط3، 1408هـ/1988م.

في الجملة الأولى —«ضربتُ وضربني زيدٌ»— أُعمِل الثاني فارتفع «زيد» فاعلًا لـ«ضربني»، واستغنى الأول عن المفعول في اللفظ لأن المعنى معلوم. وفي الثانية —«ضربني وضربتُ زيدًا»— أُعمِل الثاني فنُصب «زيدًا» مفعولًا لـ«ضربت»، واستغنى الأول عن ذكر الفاعل الظاهر.

العلل الثلاث التي يذكرها سيبويه للترجيح:

  1. قرب الجوار: العامل الأقرب أولى باللفظ.
  2. عدم نقض المعنى: إعمال الثاني لا يفسد أن الفعل الأول قد وقع.
  3. علم المخاطب: السامع يقدّر ما لم يظهر.

ثم يقوّي الاستغناء بآية الأحزاب:

«والحافِظين فُروجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرين اللهَ كثيرًا والذّاكِراتِ»

وجه التمثيل عنده أن الآخر لم يُعمَل فيما عَمِل فيه الأول استغناءً. الآية ليست مثال تنازع بالمعنى المدرسي الضيق، بل دليل على أن العربية تكتفي إذا علم المخاطب. سيبويه يصرّح بهذا: «فلم يُعْمِل الآخِرَ فيما عمل فيه الأوّلُ استغناءً عنه.»

الوجه الآخر كما صاغه الأنباري

في المسألة الثالثة عشرة من «الإنصاف»: «القول في أولى العاملين بالعمل في التنازع»:

«ذهب الكوفيون في إعمال الفعلين، نحو "أَكْرَمَنِي وأكرمتُ زيدًا، وأكرمتُ وأكرمنِي زيدٌ" إلى أن إعمال الفعل الأول أولى، وذهب البصريون إلى أن إعمال الفعل الثاني أولى.»

الموضع: الإنصاف 1/71، المكتبة العصرية، 1424هـ/2003م.

حجة من نُسب إليهم ترجيح الأول —كما يعرضها الأنباري— تقوم على النقل والقياس: السبق في الذكر يمنح الأولوية، وفي الشواهد أبيات أُعمِل فيها الأول. وحجة من نُسب إليهم ترجيح الثاني —وهي أقرب إلى نص سيبويه— تقوم على القرب، وعلى شواهد أُعمِل فيها الآخر.

ثم يصل الأنباري نفسه، في أثناء مناقشة الشواهد، إلى ملاحظة تضعف ادّعاء «الأَوْلية» من الطرفين: ورود الوجهين عن العرب يدل على الجواز، ولا يضطرّ إلى أن يكون أحدهما أولى في كل موضع. هذا الاستدراك من المحقّق والشارح في الحاشية أوضح أحيانًا من تحيّز المتن؛ والمتن مع ذلك يُبقي القسمة الثنائية لأن الكتاب كتاب خلاف.

المهم منهجيًا: لا تقل «قال الكوفيون» وأنت تعني سيبويه، ولا تقل «قال سيبويه» وأنت تعني الأنباري. سيبويه يعلّل قرب الجوار. الأنباري يرتّب قومًا وشواهد في جدول خصومة.

ابن مضاء: الباب نفسه بلا عامل

في «الرد على النحاة» يعقد ابن مضاء فصلًا ثانيًا لتطبيق النحو من غير عامل في باب التنازع. غايته ليست ترجيح الأول أو الثاني، بل إظهار أن تصوّر عاملين يتنازعان معمولاً واحدًا هو من آثار نظرية يرفضها. يُذكر هذا ليُفصَل عن الكتاب: ابن مضاء يقرأ الباب قراءة إلغائية بعد أربعة قرون، ولا يُعبَّر به عن قصد سيبويه.

الموضع: فهرس طبعة البنّا، دار الاعتصام، 1979م، «الفصل الثاني: تطبيقه للنحو من غير عامل في باب التنازع».

إعراب موجَّه لثلاث جمل

الجمل الثلاث التالية للتوضيح المدرسي، وليست شواهد الكتاب إلا الأولى بمعناها:

  1. ضربتُ وضربني زيدٌ
    «زيدٌ» فاعل لـ«ضربني» على إعمال الثاني، وهو اختيار سيبويه في التمثيل. التقدير المعنوي: ضربتُ زيدًا وضربني زيدٌ، من غير أن يظهر المفعول مع الأول.

  2. ضربني وضربتُ زيدًا
    «زيدًا» مفعول لـ«ضربتُ» على إعمال الثاني. الفاعل في «ضربني» مضمر معلوم.

  3. مثال مصنوع على الوجه الآخر، للفهم لا للاحتجاج: ضربتُ وضربني زيدًا
    على إعمال الأول يُنصب «زيدًا» مفعولًا لـ«ضربت»، ويُقدَّر في الثاني ضمير رفع. سيبويه لا يجعل هذا الوجه مثاله المختار؛ والمتأخرون يذكرونه جائزًا عند من رجّح الأول.

الفرق الإعرابي هنا فرق علامة لا فرق معنىً كبير: زيد في الجملتين ضارب ومضروب. الذي يتغيّر هو أيّ الفعلين استحقّ أن يظهر أثره في اللفظ.

ماذا يثبت، وما لا يُحسَم؟

يثبت من الكتاب:

  • سيبويه يحمل الاسم على الفعل الذي يليه، ويصرّح أن العامل في اللفظ أحد الفعلين.
  • الترجيح عنده معلَّل بقرب الجوار، وسلامة المعنى، وعلم المخاطب.
  • يمتنع عنده أن يجتمع على الاسم الواحد نصب ورفع من عاملين في وقت واحد.

يثبت من الإنصاف، بوصفه كتاب خلاف لا بوصفه نصّ سيبويه:

  • صياغة المسألة بلقبَي البصريين والكوفيين، وترجيح الأول عند من نُسب إلى الكوفة.
  • وجود شواهد لكلٍّ من الإعمالين في مدوّنة الاستشهاد المتأخرة.

لا يُحسَم:

  • أن إعمال الثاني «أفصح» في كل كلام العرب. سيبويه يقول «أولى»، والأنباري يجمع شواهد الوجهين.
  • أن الكسائي قال في مجلس بعينه ما يُنسَب إليه في حكايات المناظرة ما لم يُحرَّر سند الحكاية. هذا المقال لا يعتمد حكاية المسألة الزنبورية، لأنها خبر تاريخي مستقل عن باب الفاعلين والمفعولين، وكثير من تفاصيلها لم يُضبط في نصّ الكتاب.

الخلاف يبقى حيًا لأن العربية أجازت الوجهين في مواضع، ولأن علة القرب علة ترجيح لا علة منع.

خاتمة

باب الفاعلين والمفعولين من أوضح مواضع الكتاب التي ترى فيها سيبويه يختار، ويعلّل، ولا يكتفي بالتمثيل. إعمال ما يلي الاسم عنده ترتيب لفظٍ يحفظ المعنى ويراعي السامع. أما من جعل الباب حربًا بين مدرستين فقد أضاف إطارًا مفيدًا للتاريخ، زائدًا على النص. قارئ سيبويه يبدأ بالجملتين: «ضربت وضربني زيد»، و«ضربني وضربت زيدًا»، ثم يسأل: أيّ العملين ظهر، ولماذا؟ والجواب في 1/73–74 أصرح من كثير من الملخّصات.

المصادر والمراجع

  1. سيبويه. الكتاب. تحقيق عبد السلام محمد هارون. مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1408هـ/1988م، ج1 ص73–74. الشاملة 23018/71.
  2. الأنباري. الإنصاف في مسائل الخلاف. المكتبة العصرية، بيروت، ط1، 1424هـ/2003م، ج1 ص71–78. الشاملة 7362/67.
  3. ابن مضاء. الرد على النحاة. تحقيق محمد إبراهيم البنّا. دار الاعتصام، ط1، 1399هـ/1979م، الفصل الثاني. الشاملة 37476.
  4. السيرافي. شرح كتاب سيبويه. دار الكتب العلمية، بيروت، 2008م. الشاملة 17726.
  5. مقابلة مصوّرة لطبعة هارون: أرشيف الإنترنت.

كلمات مفتاحية: سيبويه، الكتاب، التنازع، إعمال الثاني، إعمال الأول، الإنصاف، العامل.